ابن كثير

35

البداية والنهاية

عبد الله بن قمئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نال رجع وهو يقول : قتلت محمدا . وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت : ألا إن محمدا قد قتل ! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن حوزة الاسلام حتى يموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره ، وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسنجزي ( وسيجزي ) الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ، ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ، وسنجزي الشاكرين * وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين * يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) [ آل عمران : 144 - 151 ] . وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد . وقد خطب الصديق رضي الله عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت . ثم تلا هذه الآية ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) الآية . قال : فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك ، فما من الناس أحد إلا يتلوها . وروى البيهقي في دلائل النبوة : من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال : مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه . فقال له : يا فلان ، أشعرت أن محمدا قد قتل . فقال الأنصاري : إن كان محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم ، فنزل ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) الآية . ولعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر رضي الله عنه وهو عم أنس بن مالك . قال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر ، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين ، لئن الله اشهدني قتالا للمشركين ليرين ما أصنع . فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك عما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد : أنا معك ؟ قال سعد : فلم أستطع أصنع ما صنع ، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ( 2 ) ، قال : فكنا نقول : فيه وفي أصحابه نزلت ( فمنهم من قضى نحبه

--> ( 1 ) الخبر في دلائل النبوة ج 3 / 248 . ( 2 ) زاد البيهقي في روايته : وقد مثلوا به ، قال : فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه .